بعشر ميداليات للتميّز، وحضور مشرّف لشباب الإمارات في منافسة عالمية تختبر دقة الأداء وعمق المعرفة والقدرة على الإنجاز. بهذه الحصيلة، أكد أبطال الإمارات في المسابقة العالمية للمهارات – شنغهاي 2026 أن الاستثمار في التعليم التقني والتدريب النوعي يمنح أبناء الوطن القدرة على المنافسة وإثبات كفاءتهم أمام العالم. 
جمعت الدورة الثامنة والأربعون، التي أقيمت من 22 إلى 27 سبتمبر 2026، نحو 1385 متسابقاً من 68 دولة ومنطقة، تنافسوا في 64 مهارة. وفي هذا المحفل، خاض فريق الإمارات منافسات في 16 مهارة، وحصد عشر ميداليات للتميّز، في مشاركة عكست جدية الإعداد وعزيمة المتسابقين وجهود المدربين والمشرفين الذين رافقوا رحلة استعدادهم.
وتتضح مكانة هذه الحصيلة على المستوى العربي؛ إذ تصدرت دولة الإمارات الدول الخمس العربية المشاركة، حيث لم تحصد ثلاث منها أي ميدالية من ميداليات المراكز أو التميّز، فيما حصلت دولة واحدة على ميدالية تميّز واحدة. وبذلك برزت دولة الإمارات بحصيلتها البالغة عشر ميداليات للتميّز، مؤكدة حضورها المتقدم في المنافسة العربية ضمن هذا المحفل العالمي.
وعلى نطاق النتائج المتاحة التي تضم نتائج 65 دولة ومنطقة، لم تنل 17 دولة ميداليات المراكز الثلاثة أو ميداليات التميّز، بما يوضح حجم التحدي الذي واجهه المتسابقون. ولا يدخل في هذا الحصر تكريم «الأفضل على مستوى الدولة»، فهو جائزة منفصلة.
إن قيمة الحضور الإماراتي تمتد إلى الصورة التي قدمها شبابنا عن قدرتهم على العمل بدقة، وحل المشكلات، والتعامل مع التقنيات المتقدمة تحت ضغط الوقت. وخلف هذا الأداء سنوات من التعلم والتدريب، وبيئة تؤمن بالمواهب وتمنحها فرص النمو، وشباب يدركون مسؤولية تمثيل وطنهم.
وقد شملت المنافسات مجالات التصنيع والهندسة، والتقنيات الرقمية، والبناء، والنقل، والخدمات. كما شهدت الدورة إضافة سبع مهارات جديدة، منها أنظمة الطائرات من دون طيار، واختبار البرمجيات، وتقنيات الأمن الذكي، وتقنيات مركبات السكك الحديدية. وهي مجالات تضع المؤسسات التعليمية أمام ضرورة مواكبة تغير المهن وتطوير البرامج بما يتصل باحتياجات العمل والإنتاج.
ومن الضروري أن يتحول هذا الإنجاز إلى قوة تدفع نحو مزيد من التطوير؛ من خلال مراجعة الأداء بعد كل مشاركة، والاستفادة من المعايير الدولية في تحديث المناهج والورش، ونقل خبرات المتسابقين والمدربين إلى قاعدة أوسع من الطلبة. فكل تجربة ناجحة تحمل معرفة تستحق أن تصل إلى مدارسنا وكلياتنا.
لقد منح أبطال الإمارات شباب الوطن نماذج قريبة وملهمة لما يمكن أن يحققه الإصرار حين يلتقي بالتعليم المتميز والتدريب المتقن. ومن هنا يبدأ السؤال: كيف نوسع هذه الفرص، ونبني مساراً يأخذ الموهبة من مقاعد المدرسة إلى العالمية؟
خلف كل ميدالية حصدها أبطال الإمارات في شنغهاي، رحلة بدأت قبل الوصول إلى منصة المنافسة بسنوات؛ موهبة وجدت من يكتشفها، وطالب أُتيحت له فرصة التجربة، وتدريب حوّل الاهتمام إلى إتقان. والسؤال الذي يطرحه هذا الإنجاز هو: كيف نفتح الطريق نفسه أمام مزيد من شباب الوطن؟
تبدأ الإجابة من المراحل الدراسية المبكرة، حين يصمّم الطالب نموذجاً، أو يبرمج جهازاً، أو يصنع قطعة، فيكتشف ميوله ويفهم العلاقة بين العلوم وتطبيقاتها. ومن الضروري أن تتصل هذه التجارب بمسار متدرج، يبدأ بالأنشطة التطبيقية والمعسكرات والتحديات، ويمتد إلى المنافسات الوطنية والدولية. ويصاحب ذلك إرشاد مهني يساعد الطالب على اختيار المسار المناسب، مع مرونة تسمح بتغيير اختياره كلما تطورت اهتماماته وقدراته.
ولتوسيع هذه الفرص، من الضروري زيادة انتشار مدارس التكنولوجيا التطبيقية وفق احتياجات المناطق والقطاعات الاقتصادية، بما يتيح لمزيد من الطلبة والطالبات تعليماً يجمع بين الأساس الأكاديمي المتين والتطبيق التقني المتقدم. ويتطلب هذا التوسع إعداد المعلمين والمدربين، وتجهيز الورش والمختبرات، وتحديث البرامج، وضمان الجودة، حتى تتسع فرص التعليم المتميز مع المحافظة على مستواه.وبالتوازي، تبرز أهمية تفعيل مسارات للتعليم الفني والتقني داخل المدارس الحكومية، وإتاحة الفرصة للطلبة اكتشاف قدراتهم العملية وتنميتها ضمن تعليم مدرسي متكامل.
*مدير عام مركز أبوظبي للتعليم والتدريب التقني والمهني